ابن كثير
367
البداية والنهاية
وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام ، وثبتت أركانه ودعائمه فلم تبق هجرة ، اللهم إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم فتجب الهجرة إلى دار الاسلام ، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح ، كما أن كلا من الجهاد والانفاق في سبيل الله مشروع ورغب فيه إلى يوم القيامة وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة . قال الله تعالى ( لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) الآية [ سورة الحديد : 10 ] وقد قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن ( 1 ) أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله حتى ختمها وقال : " الناس خير وأنا وأصحابي خير " وقال " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فقال له مروان كذبت ، وعنده : رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير ، فقال أبو سعيد : لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة ، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك . قالا : صدق . تفرد به أحمد . وقال البخاري : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن قد علمتم ، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم ، فقال ما تقولون في قول الله عز وجل ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذاك تقول يا بن عباس ؟ فقلت لا ، فقال ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فذلك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) قال عمر بن الخطاب : لا أعلم منها إلا ما يقول ( 2 ) . تفرد به البخاري وهكذا روي من غير وجه عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله . وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما . فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن فضيل ، ثنا عطاء ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما : نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعيت إلي نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة . تفرد به الإمام أحمد
--> ( 1 ) هكذا سياق الحديث في نسخة دار الكتب والتيمورية ، أقول : أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد والحديث نقله البيهقي بهذا الاسناد في الدلائل ج 5 / 109 . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ( 4 ) باب الحديث 4970 فتح الباري ( 8 / 734 ) .